English Website

مشكلة الألم وصلاح الله

Search form

مشكلة الألم وصلاح الله


مقدمة:

لا أرى حاجةً أن أعرف "الألم" لأنه معروف لدينا ونختبره بإستمرار. قد يكون الألم ألماً في الجسد أو النفس أو المشاعر أو الروح أو في العلاقات على مستوى شخصي أو عائلي أو إجتماعي أو وطني أو كوني. فهو جزءٌ لا يتجزّأ من حياتنا اليومية.

يكون الألم على مستويات، فالبعض منه عابرٌ، والبعض الآخر باقٍ مدى الحياة، وربما يوجد ألمٌ يرافقنا حتى إلى الجانب الآخر. ألم الجسدِ موجِعٌ كوجع الأسنانٍ، لكنه لا يوازي قلبا منكسرا خسر ولداً هو أغلى ما عنده. وإنكسارُ القلب قليل إزاء إنهزام الروح وهلاكِها في الظلام والموت لمن ألزم اللهَ على ذلك برفضه لمؤلف الحياة، خالق النور، الذي به كان كل شيء.

وأذكر إقتباساً من الشاعر أمرؤ القيس من القرن السادس ميلادي، الذي كان من العرب

الأقحاح (وكلُنا أصحاب ثقافة عربية ولو تميّزنا عِرقيا عن بعضنا البعض)، إذ يقول:  "وليلٌ كموجِ البحرِ أَرْخى سُدولَه عليَّ بأنواعِ الهموم ليَبْتَلي....فقلت له لمّا تَمطَّى بصُلبِه وأردف أَعْجازا وناء بكَلكَلِ....اَلا ايها الليل الطويلُ ألا انجَلِ بصبحٍ وما الِاصباح منك بامثَل".

ويبقى السؤال: لماذا يسمح الله بالألم؟ وأعالج هذا الموضوع من منطلق مسيحي، كوني مؤمناً بالمسيح وتعاليمه، فالذي علمنا أن نحب أعدءنا ونبارك لاعنينا ونصلي من أجل الذي يسيؤون إلينا ويبغضوننا، لا نستطيع إلا أن نتبعَه خاصة صرخته على الصليب: أغفر لهم يا أبتاه لأنهم لا يدرون ماذا يفعلون. والسؤال الذي يدورُ حولَه موضوعي هو كيف تدعّي المسيحية أن الله صالحٌ وقادر على كل شيء، وفي الوقت نفسه – كما نرى في بلادنا العربية- يتألم الأطفال، ويموت الأبرياء، ويُعذَّب الصدّيقون. إن كان الله حقاً صالحا، لماذا يسمح أن يتألم أولادُه، وإن كان حقاً قادرا على كل شيء لمَ لا يمنع الشر أن يصيب الإنسان؟[1]

الجزء الأول: إن كان الله صالحا فلماذا يسمح بالألم؟

(1) عندما نقول "لو كان الله صالحا لما يسمح بالألم؟"، يبيّن هذا التصريح أن الألم غيرُ نافعٍ للإنسان. ولكن هل حقاً أن الألم - الذي نبغضُه جميعاً - هو غير نافع للإنسان؟ هل من الصواب التفكير أن الألم يُشير إلى عدم صلاح الله؟ هل يمكن أن تتصوّر إنسانا خاليا من الألم، كيف يتصرف؟ وبأي أسلوب يتكلم؟ وكيف يمشي؟ وعمّا يتكلم؟ وكيف يُعامل غيره؟ هل الألم أو فكرة الألم تهذب النفس، وتُليّن حدّة اللسان، وتُهيء الروح، وتُولّد تواضعاً، وخُلقا، وإبداعاً من أجل الآخر؟

(2) صلاح الله نابعٌ من طبيعته، وكما يُعلنه لنا الكتاب المقدس هو محبة. فالله المحبة هو صالح، ولأنه محبة يريد أن يشاركَ الإنسان مما له، أي صلاحَه. فالله الصالح يُحب أن يكون الإنسان صالحا مثله، أو كما كان القصد من خلقه، على صورته كشبهه، أي على صورة إبنه يسوع المسيح، الكلمة الذي إلتحف طبيعتنا وعاش بيننا. هنا أتكلم عن صلاحِ الله الذي يُصلح الآخرين (لأنه محبة)، ولا أتكلم عن المحبة التي تريد أن يكون الآخر فرحا وحسب، أم يشعر بالغبطة، بل أتكلم عن المحبة الحقيقية التي تريد الأفضل للآخر، حتى ولو تألم لآن. عادت إبنتي من المدرسة وقد دخلت نثرةُ خشبٍ في إصبعها، فأمسكتها بعد أن حميّت إبرةً على النار، ورحت أنزع النثرة من إصبعها وهي تولول بكاء. هل لأنني لا أحبها صنعت هكذا؟ كان يمكنني أن أهمُلَها ولا أبالي بحالتها، فيتردّى وضعُها ويلتهب إصبعُها وتتأذى في المستقبل. فليس كل من يسبب لك الألم لا يحبك.

تصور معي أن الله نحاةٌ ماهرٌ، ويريدك أن تكون تحفة فنية فائقة الجمال، شبيهاً صورة يسوع المسيح. فيبدأ النحت، نحتاً أليماً لتصبح أكثر روعةً وجمالا؛ وعندما تصبح قريباً من الأصل، تختبر الفرح الحقيقي.

أحبائي، المحبة ليست مشاعراً جيدةً وطيبةً تُجاه الآخر فقط، إنما رغبة صادقة لتقديم الخير المطلق للذي تُحب. أي أن تُقدم الأفضل له بصرف النظر عما يشعر أحيانا.

(3) إن محبة الله الصادقة تُسبب ألماً في الإنسان الخاطي (وكلنا خطاة). إن كنُت تظن أن الله يرغب في أن يُبقي الإنسان كما هو في ضعفه وخطيّته فظنُّك هذا يشير باطنيا إما أن الله غيرُ محبٍ، أو أن الإنسان غير خاطيء، وكلا الفكرتين مرفوضتان. الله يريد ما هو أفضل لك، وهو يعرف أكثر منك. احيانا تصلي إلى شيء وتنال شيئاً آخرَ، هل لأن الله يكرهك؟ كلا، بل لأنه يعرف ما تريد لتصبح على شبه إبنه يسوع المسيح. تأمل معي لو أن الله إستجاب لكل طلباتك، فكيف يكون وضعُك؟ المسيح نفسُه طلب ثلاثَ مرات أن يُجيز اللهُ عنه كأس الصليب، بكل عاره ولعنته وشناعته وقال الله: كلا. إخوتي نتألم أحياناً لأن الله يحبُنا.  إذ يرغب أن يستعمل مكبّر الصوت في عالم ضربه الصم. يقول س أس لويس إن الله يهمس في آذاننا وسط أفراحنا، ويتكلم لنا من خلال ضمائرنا، ويصرخ بنا في آلامنا. يُنهض الألم أحيانا بالتذكرة أذهاننا أن ليست كل الأشياء جيدة؛ وبأنك لا تستطيع أن تكون مكتفياً من دون الآخر في حياتك، ولا تستطيع أن تفعل كل ما تتمنى ويخطر على بالك. يُزيل الألمُ الفرحَ الزائف ويجعلك تتمسك بالفرح الحقيقي. أحيانا يكون الإنسان منحدرا نحو الجحيم وضميره مُخدَّراً، وفجأة يوقظه الألم. كأنك نائم في سيارتك فتنحرف السيارة وتدوس المطبات الصغيرة جانب الطريق، فتوقظك لتنجو من الإنحدار والهلاك. نعم ألم الإنسان لا يتكلم ضد صلاح الله بل يُثبّته.

الجزء الثاني: إن كان الله قادراً على كل شيء لماذا لا يوقف الألم؟

(1) ماذا يعني أن يكون الله قادرا على كل شيء؟

تتكرر الأسئلة القديمة: هل يستطيع الله أن يخلُق صخرة كبيرة لدرجة أنه لا يستطيع أن يحملها بنفسه؟ هل يستطيع أن يزين اللون الاحمر؟ هل يستطيع أن يصنع قصبة لها طرفٌ واحد؟ هل يستطيع أن يكذب؟ هل يستطيع أن يفعل الشر؟ هذه الأسئلة يجب أن تساعدنا لنُدرك أن قُدرة الله على كل شيء لا تعني أن الله يفعل أشياءَ بخلاف طبيعته وجوهره. فمن هنا يجب أن ندرك أن قدرته على كل شيء تنسجم وطبيعته. فالله القادر على كل شيء هو قدوس وعقلاني، فلا يفعل الشر لأنه قدوس، ولا يقوم بأي شيء تافه أو غير عقلاني لأنه عقلاني. فالعقلاني لا يزن أموراً تجريدية أو ألواناً أو صفاتٍ، ويعرف أن قصبةً لها طرف واحد ليست بقصبة، والقدوس لا يسرق ولا يكذب ولا يزني، فأفعالُ الله تنبع من جوهره القدوس وطبيعته العقلانية.

(2)    الإنسان يعيش في عالم منظّمٍ خلقه الله فيه ملايين من البشر وكلّنا نخضع لهذا النظام الذي وضعه الله. فالذي يطلب ألاَ يتألم فهو يطلب من الله القادر على كل شيء أن يُغيِّر كل الأنظمة لتتلاءم مع حاجته، فيهمل حاجة الآخرين. كلنا يعرف أن الله خلق ما يُسمى بجاذبية الأرض، وهذا يعني، إن كنتَ راكبا دراجتَك وتتسلق جبلا عليك أن تجتهد صعودا، نعم تؤلمك رِجلاكَ، لأن هناك جاذبية تشد بك إلى خلف. ولكن عندما تنزل نزولا لا تشعر بالتعب لأنك نازلٌ بإتجاه الجاذبية. أن ترفض الألم يعني ترفض النظام الذي وضعه الله. الله خلق عالما منظما، فيه جبال وأودية، فَما تريده هو أن ينزع الله الجاذبية من الأرض عندما تكون صاعدا إلى الجبل أو يحول تضاريس الأرض إذ وأنت صاعدٌ، يتحول الصعودُ إنحدارا لتصل رأس الجبل، ويكون النزولُ أيضا إنحدارا لكي لا تشعر ألماً. والسؤال: ماذا يحدث لو كنت صاعداً تتقابل مع شخصٍ نازلٍ في الطريق نفسه؟ لمصلحة من تتحول تضاريس الأرض؟ الله صنع عالما منظما (أي فيه أنظمة وقوانين) ولا تستطيع أن تطلب من الله أن يُغيِّر نظام الكون، لكي لا تتألم أنت. فإن جلست أيها المُصلي بعيدا من النار تبرُد، وإن جلست قرب النار تشعر بدفئها، وإن دخلت في النار تحترق.

(3) حرية الإنسان وتأثيرُه بغيره

لما خلق اللهُ الإنسانَ أعطاه الحرية. والإنسان يختار ما يريد أن يفعل أو ما لا يريد أن يفعل. وبفعله أو عدمه يؤثر سلبا أم إجابا في الآخرين. فإما يكون لك حريّة أم لا. فلا تستطيع أن تقول يا رب لا تعطِ الحرية للأشرار ولكن أعطها للأبرار فقط. أن يكونَ الإنسانُ غيرَ حرٍ، هذا يعني أنك سلبته إنسانيّتَه. فإن كنت إنساناً لك الحرية، وإن أعطاك الله الحرية وأخذها منك، يكون متناقضا وذاته. فلا تستطيع أن تطلب من الله أن يعطي الإنسان الحرية ويُسيِّر أفكاره وآراءه، فالله لم يخلُق الإنسان كحجر شطرنج او دُمية. فلأن الإنسانَ حُرٌ قد يُخطئ تُجاه نفسه فيتألم، أم تُجاه الآخرين أم تُجاه الطبيعة. من هنا نقول إن الإنسان يؤثر بغيره كما أفعالهُ. هذا يعني إذا شربت الكحول وسكِرت، يمكنك أن تقود سيارتك وتقتل شخصاً أو طفلاً أو عجوزاً، ويبقى الله صالحاً وقادراً على كل شيءٍ حتى ولو لم يتدخّل، لأن عدم تدخّلِه هذا، فعلٌ ينسجم مع طبيعته. إن كنت تقول لله لا نريدُ يا رب أن يؤثر الإنسان بغيره، هذا يعني تريد أن تعيش في عالم جامدٍ لا يؤثر الأبوان فيه على أولادهِما، ولا يؤثر صلاحُك بالآخرين، ولا نتعلم الحب بعضنا بعضا، ولا نستمتع بجمال الآخر. إن كنت تقول لا أريدُ حريةً وتأثيرَها على الآخرين، تَطلُب ألاّ تكون. فالله لا يغير نظامَه كلما طلبتَ منه، ولا يتصرف بخلاف طبيعته كلما صليتَ إليه، هو ثابت لا يتغير أو يتجزأ. المشكلة أن الإنسان عَطَبَ نفسه، وطعن بشريّتَه بعصيانه، وتمرّدِه، وكلما شابَهَتْ صورةُ الإنسانِ صورةَ خالقِه تلاشى الألم وثبتت الحرية وإزداد تأثيرُنا بالآخرين حسب أراده الله. فعوضاً عن لوم الله لنبحث عن الطريق والحق والعلاج لألمنا.

أخيراً، أرى أن مشكلة الألم مرتبطة في كثير أحيانٍ بالعدل والمساواة. فيَنجُم عن الألم سؤالٌ يتكرر مرارا وهو "ليش أنا مش هوي"، "ليش إبني بدو يموت مش إبنها"، "ليش أنا بدي يطلعلي زوج عاطل مش هي"، "شو عملُّو لربنا"؟ فلا أحدٌ منا يتذمر في الأمور التي تُصيب البشرية، مثل موتِ العجوز مثلاً، فهذا جزءٌ من الحياة مقبولٌ نسبيا، ولكن المشكلة عندما يموت الطفل، أو يمرَضُ الشاب، أو يُقتل البريء، هنا نصرخ لماذا يا رب؟ لماذا لا يوجد مساواة بين نسبة الألم الذي يختبره الإنسان؟ لماذا يتألم بعضهم أكثر من غيرهم؟ لا يوجد جوابٌ لهذا السؤال، وربما يريد الله منا أن نسأل السؤال بشكل آخر: أليس من الغريب، رغم فساد الإنسان وإنتشار الخطية المدمرة في كل مكان، أن يتمتع الإنسان أحيانا بالفرح والسلام والصحة؟ فالأمور الصالحة الجميلة المُفرحة التي نختبرُها هي ليست مُلكَنا إنها عطيّة من الله لا نستحقُها، فحقنا أن نحصُدَ ثمرَ خطايانا وهو الألمُ وعدم المساواة والظلم والهلاك. فالفترة التي نعيشها في الألم هي ما نحصده جميعا، والفترة التي نعيشها بهناء وفرح هي نعمة مجانية لا حقا لنا فيها.

الخاتمة:

الله محبٌ وصالحٌ ويهمه أن يُقدم الأفضل للآخرين، حتى ولو تألم الإنسان لحين. ففرحُنا الحقيقي وشبعُنا هو، أن نصبح مشابهين صورة ابنه حتى ولو نَرفض هذه الحقيقة أحيانا.

والله هو إلهٌ قادرٌ على كل شيء دون أن تتعارض افعالُه وجوهرَه وخِطّتَه، فالإنسانُ حرٌ يعيش عالماً له نظامُه الخاص، وبحريّته يؤثر سلبا أم إيجابا بالآخرين. هكذا خلق اللهُ الكونَ وكذا الإنسان. ولن ينزع الله حريّة الواحد لأن الآخر صلى وطلب ذلك، ولن يغير الله نظامَ الكون كلما طلب الإنسان ذلك، بل يطلب الله من الإنسان أن يستجيب لدعوته ويعود إليه ويختارَ بحريّته، أن يتبعَه ويعيشَ له. مات إبن أختي من سنتين لما كان عمرُه أربع سنوات ونصف السنة؛ فقتل في حادثِ سيارةٍ بسبب أن شاباً متهوراً - بعد إستعماله للمخدرات - ركب سيارتَه، وبسرعة كبيرة راح يطير من مكان إلى آخر فاصطدم بسيارة صهري وقُتِل ابنُه. كيف يمكن لله الصالح والقادر على كل شيء أن يسمح بهذا؟ سؤال آخر، لو إختار هذا الشاب بحريّته أن يتبعَ المسيحَ ويعيش له، هل كان ليَقتُلَ إبنَ إختي؟ الجواب بكلِ تأكيد هو كلا. أحيانا أسأل:  من تألم أكثر أختي التي فقدت ابنها، أَمِ الله الذي يَخسَرُ الإنسانية كلما إقترف أحدُنا كذا فعلٍ؟ لماذا في هذه الحادثة تتألم أختي أكثر منك أنت؟ لأن حبَّها لإبنها أكثر بكثير من حبِّك أنت لإبنها، فكلما إزداد الحبُ إزداد الألمُ معه. فكم يكون ألم الله إذاً، إذا كان حبه غيرَ متناهٍ، وأعظم من حب البشرية مجتمعةً، وأعمق من أعاميق البحار وأوسع من السموات. فلا أحدٌ يستطيع أن يدرك مدى ألم الله الناتج عن خطيّة الإنسان وآلامه.

والله لمُلتزمٌ قضيةَ الإنسان وماضٍ في خطّته ليُحقق النجاح الكامل. فكيف بادَرَ الله في معالجة ألم الإنسان؟ وما هو دور الإنسان في تحقيق ذلك؟ الجواب عندك.

                                                                        د. ق. حكمت قشّوع


[1]   أنا مدين بالفضل في مقالتي هذه لكتابات س. س. لويس التي تُعالج مسألة الألم.  

 

ABTS's picture
About ABTS