English Website

الراعي في المؤسسات المسيحية

Search form

الراعي في المؤسسات المسيحية

الراعي هو معلم وواعظ. فمن جهة يقود الناس إلى المراعي الخضر ويطعمهم، ومن جهة أخرى، يعظهم. ولا أعني هنا "وعظ المنابر"، إنما الوقوف إلى جانب الإنسان، أحاضراً كان أم غائباً، في مسيرته. فالوقوف يتضمن التشجيع، والدعم، والتقدير، والتوجيه، بنعمة ومحبة. فكون الراعي معلماً وواعظاً في آن، تكون هذه الموهبة ضرورية في المؤسسات المسيحية بخاصة التربوية منها.يُعنى القائد بشكل خاص بالرؤيا والرسالة، والمُدبر بالتدبير والإدارة، والراعي بالإنسان ونجاحه. لكل واحدٍ دورُه ومهامُه، وفقدانُ أحدِهم، خسارة جمة على مستوى المؤسسة.لا يتقاضى الراعي أجراً لقاء عمله. وقيمتُه غالبا لا تُقدّر إلاّ بعد غيابه. فهذا لا يُوَتِره لأنه واعظ أي هدفه الآخر. نجاحه من نجاح الفرد في علاقته بالله، وبالذات، وبالآخرين. فالآخر، أي الإنسان، وليس القانون والأنظمة والمادة، هو هاجسه الأساس.ما يُوتّره هو الأفعال أو الملاحظات أو العبارات أو حركات الجسم بين الناس التي تعتزم الإنتقاص من كرامة الإنسان. فتجريد الأخُ أخاه من القيمة الإنسانية كونه إنسان الله، وإستبعاده، أو إستعباده وقيْدِ حريته، هو إحتقار لله، مما يُثير الراعي.ما يمضّه علاقات مبنية على ثقة واهية، ومواقف جارحة، ووعود خاوية، وكلمات مبتذلة خالية من النعمة، تشين ناموس المحبة. فكل هذه الأعمال ما هي إلاّ نافذة إلى داخل الكيان المُشوّه. من هنا أهمية الوعاظ في المؤسسات المسيحية.على صعيد مؤسسة لاهوتية تربوية، ككلية اللاهوت المعمدانية العربية، تتسع دائرة مهام الراعي بقدر نجاح المؤسسة أكاديميا وإكتسابها الصيت الحسن. فعلى الراعي أن يجول في شوارعَ وأزقةٍ قد تكون وعرة تارةً وغير نافذة طورا. ويتوقف على نَفَس الراعي ودعوته، ووقته، في التمادي في عمله. فيجد نفسه أحيانا أذنا صاغية، أو فما مُشجعا وداعما، أو فكرا مبددا شكوكاً ومخاوف، أو قلبا محبا غفورا، أو موقفا حكيما واعيا، أو يدا صانعة مغيّرة، أو قدما واثقة ثابتة. فيحتاج الطالب في علاقته بزميله أو أستاذه، والإستاذ في علاقته بزملائه او بمسؤول إداري، والمؤسسة في علاقتها بالكنائس ومؤسسات أخرى، إلى من يلعب دور الواعظ، أو بلغة يومنا، إلى من يقوم بعمل الراعي.ما هي المهارات التي يجب أن يتحلى بها الراعي ليقوم بهذا الدور؟(1) أن يكون ملماً بالتوقعات غير المُعبّر عنها.لا شك أن معظم الصراعات تندرج ضمن العلاقات والتوقعات التي غالبا لا تكون واقعية. فالطالب يتوقع أموراً معينةً من المؤسسة؛ والمؤسسة من الطلاب والاستاذة؛ والأستاذ من الطلاب وزملائه، ومن المؤسسة العامل فيها؛ والمجتمع من المؤسسة، والمؤسسة من المجتمع والكنائس. فيجد الراعي نفسه في وسط هذه التوقعات التي تكون دفينة وغير واضحة. يحتاج كثير نعمةٍ وحكمةٍ لتوضيح هذه التوقعات وتصحيحها.(2) أن يكون ملماً بالمواهب المتوفرةإن الراعي الذي يراهن على نقاط القوة في الآخر ينجح. وغالبا ما تكون هذه النقاط أساساً، موهبة معطاة من الله قد مارسها الإنسان وصقلها. غير أن هذه الموهبة الخاصة في الإنسان، وغياب غيرها، تشكل صراعات داخلية في العلاقات بسبب التنوع الطبيعي في المواهب والشخصيات. فأين يذهب مكسور الجناحين نتيجةً لكلمات جارحة، يراها غير إنسانية، تلقّاها من شخص يهمه أولا وآخراً تحقيق خطته، وإن سلب الإنسانَ قيمته؟ وأين يذهب المُدبّر الذي يشعر أن الآخر يختلس وقته ويحتقر موهبته التدبيرية، بسبب تقديم الإنسان على القانون؟ أين يذهب الأستاذ الشاعر بالإهانة نتيجة إحجام طالب وتأخّر أبحاثه؟ أو الطالب الغض أمام القوانين والأنظمة الكثيرة؟ يستطيع الراعي المُدرك بالمواهب المُتعددة أن يقرّب وجهات النظر ويساعد الآخر لتفهم بعض الممارسات الضرورية للواحد، وفيها الظلم للآخر.(3) أن يكون قادرا على التواصل بفعاليّة مزينّة بنعمة وحكمةإن التواصل الفعّال ومساعدة الآخر في التعبير بصحة وصراحة مَهمة ليست سهلة. على الراعي أن يتفهم ظروف الطالب وصراعه في قبول بعض المفاهيم الجديدة أو الأساليب الغريبة، ويحتاج أن يلم بخلفية الطالب، والمفاهيم الحضارية واللاهوتية المعقدة ليكلم الطالب في شكوكه واضطرابه. فكميّة المعلومات النقدية التي تواجه الطالب، تُتخم المعدة مسببةً تصلباً وردة فعل مُتوقعة. وعلى الراعي حينئذ أن يستوعب الطالب في محنته، ومرافقته بالنعمة، والتكلم بلغته ونقله بهدوء ووضوح من مرحلة الإضطراب هذه، إلى مرحلة جديدة غنية بالمغامرات العلمية التي تُمكّن إيمانه وتثبته.وماذا عن قبول الآخر وتقديره وإحترام آراءه، وتدريب الطلاب على إحترام بعضهم بعضاً. هنا تلعب حياة الراعي دورا أساسيا، فتكون حياته الرسالة المفتوحة التي يتأثر بها الطالب. فعوضا عن تطبيع الآخرين على إتخاذ توجّهات ليسوا مقتنعين بها، والتكلم معهم بفوقية وأسلوب عسكري وبصوت عالٍ قد يختار الراعي أسلوبا أفضل يعدي به الآخرين، يتسم باللطف، والكلام الأبوي، والأسلوب المقنع المستند إلى الحجة العلمية والقيم الإيمانية. فهو معلّم وأب في آن، ويؤثر على جميع الطلاب. فكم طالباً، بوعيٍ أم بغير وعيٍ، أصبح مرآةً تعكس حياة أساتذته وأسلوبهم.وماذا عن خوف المجتمع الإيماني، المُبرر أحيانا، من إنزلاق المؤسسة اللاهوتية في طريق الليبيرالية بأشكالها المُتعددة؟ من يبدد مخاوف الأُمناء، ومن يقدر أن يساعد هؤلاء على التمييز بين الإتهامات الباطلة، وبين الحقيقة؟ نجد هنا تدخل الراعي القادر على تحسس هذه المخاوف وأسبابها من جهة، ومن جهة أخرى، مقدرته على توضيح أهمية التحليل النقدي في المؤسسات اللاهوتية، وإستعراض المفاهيم الشائكة المُتعددة، من أجل تمكين الطالب وإستعداده لمواجهة الفرضيات والنظريات في العالم الذي يعيشه.وماذا عن العلاقات بين الأساتذة أنفسهم والمشادات الحاصلة بسبب تشديدات لاهوتية معينة؟ فالثقة المُتزايدة بالنفس، بسبب القناعات الراسخة، تقودنا أحيانا وللأسف، إلى رفض الآخر ليس فقط تطلعاته اللاهوتية. كم تحتاج هذه المؤسسات إلى راعٍ يستوعب الإنسان قلبا وفكرا في آن، وكم يحتاج هذا الراعي إلى النعمة والحكمة في أداء عمله التوافقي غير المساوم من جهة، ومنفتح من جهة أخرى، يحاكي الفكر ويحتضن النفس ويحترم الآخر، حتى ولو خالفه.وماذا عن التجاذبات السياسية ورفض الواحد لأسباب ركيكة، أو إظهار واحد على حساب آخر من أجل مصلحة شخصية، أو بسبب عدم الشعور بالأمان الداخلي الناجم عن ضعفٍ ما، أو عدم الثقة بالآخر؟ يَثِبُ الراعي لكي يستر من ناحية ضعف الواحد ويمتص إساءاته ويناشد ضميره بالحق الإلهي، ومن ناحية أخرى يلتفت إلى الآخر ويحتضنه لكي يُجنبه خيبات أمل قد تؤدي إلى تقوقعه حول ذاته، وتلاشي قواه، وإصابته بوَهَن وإحباط.أخيراً، قد يُتّهم هذا الراعي بكل أنواع الإتهامات، وكم من مرة ينقض عليه الآخرون لإلتهامه حياً، أو يتحول عليه الأصدقاء بسبب امانته. وفي كفاحه الخيري هذا، يوجد من يُؤوِّل كلامه ومن يعيره. وإن تكلم فالسكوت أفضل، وإن سكت فالكلام أجدى، وإن تفهَّم، لم يتفهم كليّا، وإن واجه، لم يكن عنيفا قاسيا، وإن أحب شجع الآخر على التمادي، وإن حزن، من يسأل؟تستمر المؤسسة برُعاتها. وما يتذكره الطالب بعد تركه أية مؤسسة تربوية، ليس ما كان فيها، بل من كان فيها. فليس المنهاج في الدرجة الأولى، ولا العلامات التي تبقى في الذاكرة، بل الرعاة الذين أحبوهم. ومن لديه عين باصرة، يرى أن الرعاة موجودون في كل مكان. فبين الطلاب أنفسهم يوجد رعاة، وأيضا بين الأساتذة والموظفين. قيل لي، من يحبُه الله يعطيه زوجة فاضلة. أقول، لو أحب الله مؤسسة لوهبها رعاةً أفاضل. فليكافئ الله رعاتنا ولنعِ نحن وجودهم فنقدرهم تقديرا. 

ABTS's picture
About ABTS