English Website

المدونة‬‎

Search form

هل سيقود رعاتُنا المحلّيون النضال؟ الإساءات المتفشية بحقّ العاملات الأجنبيات في وسطنا

بقلم روز خوري، 3 كانون الأول/ديسمبر 2015، ترجمة من النص الأنجليزي.

وصلت منذ شهرين إلى مكتبي متوقعةً أن يكون يومًا عاديًا. وإذا بي أقلّ امرأة كينية تجهش بالبكاء إلى ملجأ للعملات الأجنبيات اللواتي يتعرضن لسوء المعاملة.

هذه المرأة الشابة، المذعورة، التي تذرف الدموع، وغير القادرة أن تنظر بعينيها بوجه أحد، هي واحدة من ربع مليون عاملة أجنبية نستضيفها - نساء غالبيتهم من شرق أفريقيا وشرق / جنوب شرق آسيا - الذين يعشن ويعملن في لبنان. الوضع المسيء الذي كانت هاربة منه ليس بالغريب، ولا المدهش.

لم يكن الخادمات، المربيات، وغيرهن من أصحاب الأعمال الوضيعة في لبنان عرضة للتعرض للانتهاكات المحتملة، أو التي لا مفر منها. ووفقًا للكاتبة نايلة مكربل، قبل الحرب الأهلية في لبنان، كانت عاملات المنازل إما من النساء المحليات الفقيرات، أو المهاجرات من دول عربية أخرى مثل سوريا أو العراق. وكانت أسر الخادمات غالبًا ما تتواصل مع أرباب عمل بناتهن، ما يحد من عزلة الخادمات وإمكانية استغلالهن. وكونهن عربيات، فهذا كان يخفف الاختلافات الثقافية واللغوية. غالبًا ما كانت تأتي الخادمات للعمل في سن مبكرة، ما يسمح لهن بتطوير علاقات وثيقة، بل أسريّة الى حدّ ما على مر السنين.

عندما اندلعت الحرب الأهلية اللبنانية، بدأت العائلات اللبنانية التحول إلى توظيف الخادمات الأفريقيات أو الآسيويات. وأدت التوترات المتزايدة للأزمة المتفاقمة إلى التحول من التهديدات الطائفية المحتملة من الخادمات الإقليميات إلى توظيف العاملات الأفريقيات أو الآسيويات غير المتحزّبات. نظرًا لعدم ارتباط هؤلاء الخادمات بأيّ من الأحزاب السياسية المختلفة، الدول المتدخلة في شؤون لبنان، أو الجماعات الدينية المعارضة، فهن لا تشكلن تهديدًا لاستقرار البيئة السياسية في البلاد. غير أنّ العلاقة بين أصحاب العمل والعاملات تغيّرت إلى حدّ كبير على حساب العملات الضيوف اللواتي يعيشن بعيدًا عن أسرهن والنظم الداعمة لهن، ما يزيد إمكانية تعرضهن لسوء المعاملة[1].

عدت إلى العمل، بعد أن أمضيت ساعة لأتأكدّ أنّ الشابة دخلت الملجأ ويتم الاعتناء بها، وفي حين كانوا يدرسون الخيارات القانونية، كانت المشاعر الأولية التي انتابتني الغضب وليس الحزن. كنت غاضبةً. كنت غاضبةً أن شخصًا ما يمكن أن يعتدي على امرأة. كنت غاضبةً أن إنسانا كان التعرض للإيذاء ربما على بُعد 5 -10 دقائق من مكان سكني. كنت غاضبةً أن شخصًا من هويتي، "مسيحيًا"، يسيء لإنسانٍ آخر. لم يكن هناك "آخر" ألومه في هذه الحالة.

لبنان ليس بلدًا سيئًا. اللبنانيون ليسوا من أهل السوء. وقد كان لبنان ملجأ لآلاف مؤلفة - الأرمن والفلسطينيين والسوريين والعراقيين والسودانيين وغيرهم ولكن نحن نعيش في عالمٍ حيث لا وجود للسلطة والامتيازات في صور مطلقة ولكنّها تمرّ عبر الطبقات. فالمظلوم يمكن أن يظلم الآخرين بسهولة.

كنت غاضبةً ذلك اليوم. ولكن كلّ يوم أحد أزداد غضبًا. لقد سمعت عظاتٍ كثيرة في لبنان. لقد استمعت إلى رعاة يعظون عن الشكر، المال، وكيف نكون أباء وأمّهات صالحين، ولكن لم يسبق لي مرة أن سمعت راعٍ أو كاهن يتكلم عن إساءة معاملة عاملات المنازل. أود أن أسأل، ما هو الهدف من إمضاء ساعة ونصف للاستماع الى عظّة عن أنّ "المسيحيين الصالحين لا يجب أن يتذمروا" إذا كنت تعرف أن الذين يجلسون أمامك ويصغون باهتمام قد يعودون إلى منازلهم ويعتدون جسديًا على إنسان آخر؟

وما يُضاعف استيائي أنّ الناس في لبنان يميلون الى توظيف عاملات منازل من نفس دينهم. غالبا ما يفضّل اللبنانيون المسلمون توظيف المسلمات من بنغلاديش، في حين أنّ المسيحيين اللبنانيين يفضّلون المسيحيات من الفلبين، كينيا، أو إثيوبيا. هل الرعاة أو الكهنة اللبنانيون مسؤولون فقط عن العرب الذين يجلسون أمامهم؟ هل دورهم كرعاة لمجتمعاتنا المسيحية يقتصر على هؤلاء الذين يشاركونهم الرابط العرقي؟

بالطبع، هذه ليست قضية تخصّ المسيحيين فقط في لبنان - الاعتداء العاطفي، الجسدي والجنسي، يحدث لعاملات المنازل في كلّ البيوت اللبنانية على اختلافها. والمسلمون اللبنانيون نفسهم الذين استنكروا بغضبٍ الجرائم التي ارتُكبت بحقّ إخوانهم المسلمين في فلسطين أو العراق غالبًا ما عادوا الى منازلهم ليصرخوا في وجه العاملات البنغلادشيات المسلمات لديهم. شاب مسلم يتكلّم بحماس عن معاملة المسلمين في الغرب، قال لي ذات مرة، "البنغلادشيات أغبياء جدًا وسيحاولن خداعك." غير أنّني لا أستطيع أن أتكلم إلى المسلمين اللبنانيين. أستطيع فقط أن أتكلم إلى الكنيسة التي أنا جزء منها.

التحدي الذي أتوجّه به إلى الكنيسة اللبنانية هو التالي: الإساءة تحدث الآن في مجتمعاتنا. تحدث بصورة كبيرة (اعتداء جنسي وجسدي، وسوء معاملة عاطفية). كما تحدث بصورة صغيرة (حين يتجاهل أصحاب المحلات الصغيرة العمال الضيوف ويخدمونني أولًا). هذه ليست مجرد شيء يرتكبه أشخاص آخرون وهذا ليس أمرًا يؤثر على مجتمعات تبعُد ساعات وساعات عن مجتمعاتنا. المرأة التي أقليتها إلى ملجأ كانت تعيش في منطقة مسيحية في لبنان. اختبرت سوء المعاملة في حين كانت أجراس الكنائس تُقرع داعيةً المسيحيين ليأتوا ويعبدوا. هذه مسألة في جوهر إيماننا المسيحي - ماذا يطلب منّا الله سوى أن نصنعَ العَدلَ ونحبَ الرَّحمةَ ونسيرَ بتواضعِ معَه (ميخا 6: 8). أين هي القيادة المسيحية اللبنانية؟ أين هو التركيز الي يضعونه على التعليم، والتوجيه، وصنع السلام؟ أليست هذه أدوار رعاتنا؟

أنا لا أطلب من الكنيسة اللبنانية أن تجد حلًّا للأزمة السورية. أنا لا أطلب من رعاتنا حل مشاكل الفقر، التفكك الأسري، الأطفال المشردين، أو عدم الاستقرار المالي. بل أطلب من رعاتنا معرفة ما يجري وراء الأبواب المغلقة، على أيدي أفراد من رعاياهم. أطلب منهم أن تكون معالجة هذه المسألة من أولويات تعاليمهم وعظاتهم. هل يمكنك أن تتخيل إذا استخدم قادة كنيستنا منابرهم، وأصواتهم لتهيئة شعوبهم للخدمة في سَبيلِ بِناءِ جَسَدِ المَسيحِ، إلى أنْ نَصِلَ كُلُّنا إلى وحدةِ الإيمانِ ومَعرِفَةِ اَبنِ الله، إلى الإنسانِ الكامِلِ، إلى مِلءِ قامَةِ المَسيحِ؟ (أفسس 4: 12-13)

ثمة الكثير من العنف والكثير من الألم في منطقتنا لا يمكننا السيطرة عليهم. لكن هذه المسألة، ووصمة العار هذه في سمعة لبنان كملاذ تاريخي آمن، هو أمر لا يجب على مجتمعنا معالجته فحسب ولكن ينبغي أن نقود النضال ضده أيضًا.



[1] N Moukarbel, Sri Lankan Housemaids in Lebanon: A Case of ‘Symbolic Violence’ and ‘Everyday Forms of Resistance’, Amsterdam University Press, Amsterdam 2009, p 30.

 

About Anonymous (not verified)

Add new comment