English Website

المدونة‬‎

Search form

داعش وتأثيره على مستقبل الإسلام

بقلم مرتان عقّاد، وقد نشر في 6 تشرين الثاني/نوفمبر 2015 باللغة الإنجليزية على مدونة معهد دراسات الشرق الأوسط.

هل تعلم بأنّ مؤسّسات إسلاميّة دوليّة قد نظّمت عددًا كبيرًا من المؤتمرات والمنتديات في الأشهر التي تلت ظهور منظّمة ’الدولة الإسلاميّة‘ في صيف 2014، لتعلن عن رفضها لتصرّفات داعش؟ وبرغم توفُّر خلاصاتها وتوصياتها على شبكة الإنترنت، فإنّ الإعلام يكاد لا يذكرها أبدًا.

ما زلنا نسمع العديد من الأصوات تدّعي بأنّ العالم الإسلامي لم يتّخذ موقفًا واضحًا وحاسمًا لإدانة داعش. وترتفع هذه الأصوات كلّما ارتكب أحدهم عملاً إرهابيًّا باسم الإسلام. وكوني أسمع الكثير من الإدانات من قِبَل أصدقائي المسلمين تجاه داعش، أردتُ أن أبحث أكثر في هذه المسألة الشائكة.

من أوائل المؤتمرات التي نُظِّمت ردًّا على داعش كان اللقاء الذي جمع بين كبار قادة الأديان ومؤسّساتها برعاية مركز الملك عبد الله بن عبد العزيز الدولي لحوار الأديان والثقافات في مدينة فيينّا في النمسا. ونجد خلاصة أعمال المؤتمر وتوصياته باللغة الإنجليزيّة على الرابط التالي، تحت عنوان: ’متّحدون ضد العنف باسم الدين.‘ وهَدَفَ المؤتمر إلى تطوير ’البرامج والمبادرات التي تساهم في توطيد الوحدة ضد العنف باسم الدين،‘ كما تقول التوصيات، بهدف ’دعم التنوّع الديني والثقافي في العراق وسوريا‘.

وثمّة حركة أخرى متصاعدة وملفتة في مصر، ناتجة عن الدعوة إلى التغيير التي أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي. في شباط 2015، نظّمت وزارة الأوقاف في مصر مؤتمرًا بعنوان: ’عظمة الإسلام وأخطاء بعض المنتسبين إليه: طريق التصحيح.‘ وتداول اللقاء أربعة محاور أساسيّة، نجدها مترجمة إلى تسع لغات: (1) التوظيف السياسي للدين كسبب للانفصال بين عظمة الإسلام وسلوكيّات المسلمين؛ (2) عظمة الحضارة الإسلاميّة، عظمة قِيَمه الأخلاقيّة، وعظمة الإسلام في تعامله مع الآخَر المختلف؛ (3) تحديد أخطاء المدّعين بالانتماء إلى الإسلام على المستويَيْن الفكري والسلوكي؛ (4) ضرورة تصحيح صورة المسلمين من خلال تصحيح السلوك الخاطئ وتطوير الآليّات التي تساعد على تصحيح صورتهم لدى المجتمعات العالميّة.

وقد نظّمت هيئات أخرى عددًا من المؤتمرات في بيروت وإيران (نظرًا لاستهداف داعش المعتمد على نحوٍ كبير للشيعة في سوريا والعراق)، كما في باريس وإسطنبول وطاجكستان والعراق وعمّان، وغيرها من البلاد. والمؤسف هو العدد المحدود للترجمات الدقيقة للتوصيات الناتجة عن هذه المؤتمرات لمصلحة القارئ غير العربي، ممّا يساهم في عدم تغطية هذه الأعمال في الصحافة الدولية.

منذ نشوء داعش في صيف 2014، لقد سمعتُ كُثر يقولون بأنّ هذه الحركة ’فضحت أخيرًا وجه الإسلام الحقيقي.‘ ويبدو لي بأنّ الأدقّ أن نقول بأنّ داعش أطلق بتصرّفاته حركة تغيير سوف تحوّل وجه الإسلام بصورة جذرية في السنوات القادمة. إنّ التنوّع الكامن في الإسلام يحول دون إمكانيّة ’فضح‘ الإسلام من خلال حركة إسلاميّة فرديّة، أو من خلال ما نجده من تعبير عن الإسلام في مساحة جغرافيّة محدّدة، أو حتّى من خلال حقبة تاريخيّة معيّنة. فأنا أؤمن بأنّ داعش، على المدى البعيد، سوف يُدخِل على الإسلام تغييرات جذريّة، أكثر ممّا استطاعت أن تنجزه جميع حركات الإصلاح في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين. وهذه التغييرات، التي أراها إيجابيّة، ناتجة لا عن مبادرات مباشرة بالدرجة الأولى، بل عن ردود الفعل التي نشاهدها في هذه الأيّام عبر العالم الإسلامي ضد تصرّفات داعش الوحشيّة.

إنّ العالم الإسلامي مرتبك ومُحرَج. فمن الأمور الملفتة التي نلاحظها في هذه اللقاءات، والمشترَك بينها، هو الإحراج الواضح الذي يسبّبه داعش للإسلام والعالم الإسلامي. وربّما ذلك طبيعيّ في عالم يحكمه الشرف والعار. وما ننتظر أن نراه الآن هو إلى أي مدى ردّة الفعل الإصلاحيّة هذه سوف تذهب أبعد وأعمق من محاولة "حفظ ماء الوجه،" لتصل إلى التغيير الحقيقي الناتج عن الاعتراف بالأزمة الوجوديّة الحقيقيّة.

ويبدو لي واضحًا بأن عددًا من المؤسّسات والحكومات في العالم الإسلامي قد أطلقت مبادرات جديّة لتفعيل هذا التغيير الجذري. فأنا أكتب هذه الأسطر خلال وجودي في مدينة فيينّا بضيافة مؤسّسة الملك عبد الله بن عبد العزيز للحوار، لحضور مؤتمر استشاري يجمع بين مسؤولي كليّات الشريعة واللاهوت الإسلاميّة والمسيحيّة. ويهدف المؤتمر إلى تأسيس شبكة من المؤسسات الدينيّة  التعليميّة في العالم العربي تنسّق جهودها في تشكيل القادة الدينيّين والوعّاظ والخطّاب المستقبليّين. فيعمل هؤلاء على التأسيس لمجتمعات معتدلة في تديّنها، تعدّل في الخطاب الديني المتطرّف وتهمّش التصرّف العنيف باسم الدين.

فبينما يعيش العالم الإسلامي مخاضه الأخير، ما هو الموقف الذي يجب أن تتّخذه الكنيسة؟ هل نقف مشاهدين فقط، موقف الكاهن الراضي على نفسه والمعجب بتفوّقه الأخلاقي؟ أو هل نعبر إلى الجانب الآخر من الطريق، بسخرية ولا مبالاة؟ فالإسلام اليوم يعيش هجومًا شرسًا من الداخل. لقد وقع المسلمون بأيدي لصوص. فانتزعوا منهم ثيابهم وجرّحوهم، ثمّ مضوا وقد تركوهم بين أحياء وأموات. فهل يعقل أن هنا أيضًا يدعونا المسيح إلى أن نكون مثل السامريّ الصالح؟ فالسامريّ أشفق على الجريح المطروح على الطريق، ’فتقدّم إليه وربط جراحه بعدما صبّ عليها زيتًا وخمرًا. ثمّ أرْكَبَه على دابّته وأوصله إلى الفندق واعتنى به.‘ فيقول المسيح: ’اذهب، واعمل أنت هكذا!‘ – المقطع الأخير من وحي إنجيل لوقا 10: 30-37.

About Anonymous (not verified)

Add new comment