English Website

المدونة‬‎

Search form

المسيحيّون في صُلب مستقبل الشرق الأوسط

بقلم مرتان عقّاد (مدير معهد دراسات الشرق الأوسط في كليّة اللاهوت المعمدانيّة العربيّة – المنصوريّة)

شهدت واشنطن بين 9و11أيلول/سبتمبر 2014، عقد المؤتمر الذي حظي بتغطية إعلامية كبيرة وكان بعنوان "دفاعًا عن المسيحيين". ونحن كمسيحيين عرب، ممتنون لهذا الجهد الكبير، فثمّة أوجه إيجابية عديدة لهذه المبادرة. بداية، كانت نسبة كبيرة من المتحدثين من كبار قادة الجماعات المسيحية في الشرق الأوسط، وبالتالي فكان التمثيل للمسيحيّة الشرقيّة لائقًا. بالإضافة إلى ذلك فكثيرون، سواء في مجلس المستشارين، أو فريق القيادة التنفيذي لمؤسّسة "دفاعًا عن المسيحيين" (www.indefenseofchristians.org) هم من العرب الذين يعيشون في الولايات المتحدة والعالم العربي.

ومن الملفت والمشجّع أيضًا أنّ المتحدثين لم يتبنّوا موقف "نحن وهم" في مقاربتهم للمسلمين، حيث أنّ العديد منهم نشطة في مجال الحوار بين الأديان. وأخيرًا، كان بالتأكيد إنجازًا بحدّ ذاته أن يطّلع الرئيس أوباما بدقة على مضمون الخطابات، وأن يحضر العديد من قادة الولايات المتحدة المهميّن.

غير أنّ هناك بعض المشاكل في المنطلق الفلسفي لهذا المؤتمر، وعلى غراره من مؤتمرات وكتب ومنشورات إعلامية أخرى، التي تدعو إلى "حماية الأقليات المسيحية"، أو التي تناقش "مستقبل المسيحية في الشرق الأوسط"، أو تلك التي تسلط الضوء على"زوال المسيحيين في الشرق الأوسط"، وهلم جرا. وإليكم بعض المشاكل التي تتبادر إلى الذهن:

  1. أوّلًا، الخطر في مثل هذه المبادرات هو تقديم مسيحيي الشرق الأوسط كدخلاء في المنطقة. لقد كان الشرق الأوسط مهد المسيحية. غير أنّ في العديد من بلدان العالم العربي، ثمة عدد قليل جدًّا من المعالم المرئية عن المسيحية لدرجة أنّ العديد من المسلمين ليسوا على علم بأن أراضيهم كانت يومًا مأهولة بالمسيحيين. أي كلام يمثّل المسيحيين كجماعة تحتاج إلى الحماية الخارجيّة من مخاطر داخليّة يعزّز مفهومًا مغلوطًا أنّهم دُخلاء، أو كفرعٍ من فروع المسيحية الغربية.
  2. ثانيًا، قلّما يتوقف أحد ليسأل عن تعريف لكلمة "أقلية" كما تُستخدم في هذا السياق. ويبدو أحيانًا أن تسمية "أقلية" متعلّقة بالعدد فقط. ولكن في هذه الحالة، فسيكون من الأفضل أن نحدّد أنّنا نناقش "الأقلية العددية" للمسيحيين في الشرق الأوسط. من منطلق فلسفيّ، يجدر القول بأنّ مسيحيي الشرق الأوسط ينتمون إلى "الأغلبية الصامتة". وهذه الأغلبية الصامتة، التي نحن جزء منها، تتكوّن من المسيحيين، والمسلمين (السنة والشيعة)، والدروز، واليهود، واليزيديين، والأحمديين، والبهائيين، و الملحدين وغيرهم. وستبقى هذه الأغلبية الصامتة عُرضةً للتخويف والاضطهاد من قبل المتعصبين الدينيين المنتمين لشتّى الأديان وأنماط الحياة. وصحيحٌ أنّ جماعات مثل "داعش" و"بوكو حرام" وضعت الإسلام السنّي على وجه الخصوص في محور مشكلة  الأغلبية /الأقلية. إلّا أنّ التعصب الديني هو أيضًا في لبّ بعض أشكال الصهيونية العالميّة، كما أنّه أيضًا يلهم موجاتٍ من خطاب الكراهية تجاه المسلمين، المنتشر بين بعض المسيحيين حول العالم.
  3. ثالثًا، باستخدام المنطلق الفلسفي الداعم لمثل تلك المبادرات، نحن نعزّز تمثيل مسيحيي الشرق الأوسط على أنّهم ضعفاء وعديمي الأهميّة. غير أنّ هذا تمثيل خاطئ. ويكفي دراسة التأثير الكبير للمجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط على مرّ التاريخ لنرى أن هذا التمثيل غير صحيح. يكفي ذكر الجامعات والمدارس والمستشفيات التي أسّسها مسيحيون، والتي مازال العديد منها مراكز تعلُّم واستشفاء وتقدم تحت قيادة مسيحيّة شرق أوسطيّة قديرة. فما علاقة الأعداد البشريّة بالتأثير والنفوذ؟
  4. رابعًا، المؤتمرات التي على غرار المؤتمّر الذي نُظِّم تحت عنوان "دفاعًا عن المسيحيين" يمكن أن يعزز"عقدة الأقلية" وعقلية "مجرّد البقاء على قيد الحياة" لدى مسيحيي الشرق الأوسط. المشكلة هي أن هذه "العقدة" و "العقلية" تضعف عزيمة المسيحيين في الشرق الأوسط ليكونوا جزءًا من مستقبل الشرق الأوسط. هذا الشعور بالضعف وبالحاجة إلى الحماية وبالتعرض للاضطهاد الدائم (مهما كان بعضه صحيحًا)، هذا ما يدفع مسيحيي الشرق الأوسط إلى الهجرة والسعي إلى "مجرّد البقاء على قيد الحياة" بدلًا من الازدهار والاستمرار في دورهم القيادي على نطاق المنطقة.
  5. أخيرًا، إنّ نهج "الأقلية" هذا يميل إلى تحريض المسيحيين والمسلمين واليهود، وغيرهم ضد بعضهم البعض أكثر. من خلال الاستمرار في الإصرار على أن المسيحيين هم "أقلية مضطهدة" والاستمرار في الاعتبار أنّ المسلم عمومًا هو "المضطهِد"، أصبح المسيحيون والمسلمون في الشرق الأوسط مقتنعين أكثر بأن هذه هي الصورة الحقيقية والوحيدة للواقع. غير أنّ المسلمين اضطُهِدوا على مرّ العصور مِن قِبَل دُوَلهم وأجهزتها الأمنية، وكذلك من قِبَل الجماعات المتعصبة من المسلمين المختلفين عنهم في المعتقدات المذهبية. إذًا ما نفع تعزيز تلك فكرة، أنّ بكل بساطة "المسلمين يضطهدون المسيحيين"؟ بقدر أهميّة توازن الخطب التي قدّمها قادة الشرق الأوسط المسيحيّون في مؤتمر "دفاعًا عن المسيحيين"، غير أنّ غياب القادة المسلمين، سواء كمتكلّمين ومنظمين في المؤتمر، أو كقادة فاعلين في مؤسّسة "دفاعًا عن المسيحيين" هو ملفت، وهذا ما يضر بمصداقية المبادرة.

ما هو مطلوب في هذه المرحلة في تاريخ الشرق الأوسط المأساوي هو قمّة من شأنها أن تهدف إلى إثارة نقلة نوعية في الخطاب الشعبي. يمكن لهذه القمّة أن تكون تحت عنوان: "المسيحيون في صلب مستقبل الشرق الأوسط"، أو "أغلبية إيمانيّة ضد الأقلية الدينية المتعصبة"، أو شيء من هذا القبيل.

  1. من المبرَّر أن تركّز قمة كهذه بصورة خاصة على مسيحيي الشرق الأوسط، لأنّهم مجموعة معرضة للخطر في الوقت الراهن، لكنها لا بدّ أن تدعو متكلّمين مسيحيين، ومسلمين وغيرهم من القادة على حدّ سواء.
  2. بالإضافة إلى المناصرة، فإن هذه القمة يجب أن تدعو "القوى الغربية" إلى التوقف عن عسكرة النزاع في الشرق الأوسط. ما هو مطلوب في هذه الأيام المأساوية ليس تسليح ما يسمى "أقليّات" أو جماعات "المعارضة". أليست معظم النزاعات التي نعيشها اليوم ناجمة عن هذه الاستراتيجية التي تقتضي بتسليح مجموعة من المفترض أن تكون "حليفة"، ضد مجموعة أخرى من المفترض أن تكون "عدوّة"؟ ما هو مطلوب في هذه المرحلة أكثر من أي وقت مضى هو نزع السلاح والحدّ من تصعيد النزاع. إذا كانت القوى الغربية مصرّة على مهاجمة أو قصف شيء ما، فلتقصف مستودعات الأسلحة لدى جميع أطراف النزاع!
  3. أخيرًا، ينبغي لهذه القمة الدعوة إلى إعادة توزيع ميزانيات العسكرة الفاحشة لاستراتيجيات ناشطة في مجالات التعليم، وتنمية المجتمع، وبناء الدولة، والقضاء على الفساد في أنظمة الشرق الأوسط.

في الختام، نعم! كمسيحيين في الشرق الأوسط، نتعرض للاضطهاد. نحن نُطرد من بيوتنا ويتم حرق العديد من كنائسنا. كما يدفعوننا إلى الهجرة من المنطقة. وأملنا ينقص يومًا فيوم بشأن قدرة أطفالنا على العيش بسلام في هذه المنطقة من العالم. ولكن العدو لا يُحدَّد بهذه البساطة بأنّه "الإسلام". إنّ المؤتمرات ووسائل الإعلام والمجموعات الضاغطة والوُعّاظ والمعلمين والمؤلّفين الذين لا ينفكّون عن تعزيز هذه الرسالة الساذجة، لا يساعدوننا البتة. إنهم لا يدافعون عنّا، ولا يؤمِّنون لنا الحماية، ولا يضمنون الحدّ من تقلّص عددنا.

تتطلّب هذه المسألة تحولًا جذريًّا في نمط تفكير الجميع حول من ينتمي إلى "الأغلبية" ومن ينتمي إلى "الأقلية". كمسيحيين ومسلمين ويهود، وغيرنا من أهل الإيمان الظاهر أو المخفي، ومَن منّا يريد ببساطة أن يكون إنسانًا مُحبًّا ويرغب في تسخير محبته لبناء السلام، نحن "الأغلبية"، ونحن بحاجة إلى أن نُسمِع صوتنا أكثر. ولكن لنكن صادقين، فمن الأسهل تقديم الخطب البلاغية العظيمة عن المحبة بدلًا من ممارستها فعليًا، وبخاصة تجاه أولئك الذين لا نشاركهم الآراء السياسية والاقتصادية والدينية، ناهيك عن أولئك الذين يؤذوننا جسديًا وهم أعداء حقيقيّين لنا. هذا لن يحدث بمجرّد اتّباع مدونة أخلاقية، سواء بشرية أو دينية.

وفي الواقع، فإنّنا في شخص المسيح لدينا أكثر بكثير من مجرد معلّم أخلاقي في مادّة المحبّة. وأنا لا أتحدث عن "المسيحية" هنا، بل عن شخص المسيح، الشخصيّة المشترَكة بين المسيحيين والمسلمين، وربّما المشترَكة مع اليهود وغيرهم أيضًا. لقد تجلّت في المسيح ذروة محبة الله لنا حين كنّا لا نزال أعداء الله. ويعبّر القدّيس بولس عن ذلك قائلًا: "ولكن الله بَرهنَ عَنْ مَحبَّتِهِ لنا بِأنَّ المسيح ماتَ مِنْ أجلِنا ونَحنُ بَعدُ خاطِئونَ"(رومية 5: 8). والأهم في رأيي، هو حقيقة أن موت المسيح أبى أن يكون عرضيًّا. كان استعداده أن يضحّي بحياته في الموت مستمَدًّا من استعداده أن يضحّي بذاته من أجل الآخرين طوال حياته أيضًا. عاش حياته بالكامل لأجل الآخرين، بما في ذلك لأجل أعداء الله، ومات لأجل الآخرين أيضًا، بما في ذلك أعداء الله، وجميعنا منهم. نحن كأناس متمسّكين بإيماننا، إذا كنّا نريد أن نصل إلى مكانٍ ما بنوايانا الصادقة في رغبتها على محبة الآخرين، لدينا بالتأكيد مثال عظيم نحتذي به في شخص المسيح.

كمسيحيين في الشرق الأوسط، نقول للعالم: المعركة اليوم هي بين الذين يحبون الله والذين يكرهونه! توقّفوا عن تسليح أي شخص، سواء الذين تعتبرونهم أعداءكم أو الذين تعتبرونهم أصدقاءكم! إذا كنتم ترغبون في تقديم الدعم لنا، فادعمونا في رسالتنا الهادفة الى التعليم، وتنمية المجتمعات، وبناء دول تتمتّع بالمساءلة والشفافية، وتثقيف الشعوب على المواطنة الصالحة، ومحاربة الفساد في الأنظمة، وبناء المجتمعات المدنيّة!

About Anonymous (not verified)