English Website

المدونة‬‎

Search form

التغلّب على الخوف: تأمّل في أنشطة متعمّدة ما بين الأديان

بقلم آرثر براون

كما تعلمون معهد دراسات الشرق الأوسط منخرط عمدًا في مجموعة من الأنشطة ما بين الأديان. ينطوي هذا عادة، ضمن سياقنا اللبناني على الجمع بين المسيحيين الإنجيليين مع كل من السنة والشيعة، في مجموعة متنوعة من السياقات. أحد هذه الأنشطة هو مؤتمر الشرق الأوسط السنوي، بالإضافة الى بعض الندوات المسائية حيث ندعو رجال الدين والعلماء المسلمين، الذين يحظون باحترام كبير، ليقدّموا وجهة نظر مختلفة حول موضوع نناقشه. موضوع هذا العام هو التلمذة في سياق منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. كما ساهمت أيضًا، خلال الشهر الماضي، في قيادة نشاط شبابي بين الأديان يجمع ستة من المسلمين السنة وستة مسيحيين إنجيليين. كما حضرت مؤتمر الدوحة الدولي لحوار الأديان، الذي شارك فيه أكثر من ٢٠٠ مشارك من المسيحيين والمسلمين واليهود، قاموا بمناقشة مبادرات الحوار بين الأديان مع الشباب. لقد كان هذا الشهر حافلًا ولكن ملهمًا.

غير أنني في الشهر الأخير سمعت أولًا تعليقات من مسيحيين انجيليين يشككون في الحكمة والمنطق وراء هذه الأنشطة. يبدو أنّ العديد من الأشخاص قلقون حيال المشاركة في أي شكل من أشكال "أنشطة ما بين الأديان المتعمدة". ويبدو أنّ المسألة هي في المناقشة المتعمّدة للإيمان، إذ أنّه من المستحيل نوعًا ما ضمن السياق اللبناني ألا يحدث تفاعلًا مع الأشخاص الذين من ديانة مختلفة. أريد في هذه المقالة أن أعالج بعض المخاوف كما فهمتها.

 

اتهامات التحرر...

بكلّ بساطة أن أرغب في التكلّم بصدق وقصد عن إيماني، والإصغاء للآخرين يتكلّمون بصدق وقصد عن إيمانهم (المختلف) لا يجعلني متحررًا لاهوتيًا (بغض النظر عن المعنى الفعلي). منذ متى يتطلب الاصغاء لشخصٍ لديه وجهة نظر مختلفة أن تخفّف وجهة نظرك الخاصّة؟ نعم بالتأكيد يتطلب الأمر رغبة متواضعة ولكن التخفيف من إيمانك، طبعًا لا. قد يكون الخوف ببساطة أن يوسموا "بالتحرر" بكلّ بساطة لمجرّد المشاركة في أنشطة الحوار. وأنا أفهم هذا الخوف إذا كان الحوار بين الأديان هو ببساطة محاولة إيجاد نوع من الأرضية اللاهوتية المشتركة المقبولة بين الطرفين، حيث يمكننا أن نتفق جميعًا على مسائل العقيدة والممارسة، ونتناول فنجانًا من الشاي معًا ثمّ العودة الى البيت مع شعور غامضٍ دافئ.  للأسف، لا بد من القول، في كثير من الأحيان كان يُعتبر الحوار بين الأديان - محاولة للعثور على أدنى قاسم مشترك. إلّا أنّ التحاور مع أشخاص جادين بإيمانهم لا بل محافظين دينيًا، والتمتع بفرصة المشاركة كيف يلهمهم إيمانهم في عبادة الله، محبّة الآخر، وتحسين مجتمعاتهم هو أمر يجب أن نسعى له جميعًا. أنا واحد من شأنه أن أشارك في نشاط ما بين الأديان مع أتباع 'محافظين' من أديان مختلفة، مستعدين وقادرين، باحترام، أن يتكلّموا عن معتقداتهم وممارساتهم، والتعلم من الأشخاص الذين من تقاليد دينية مختلفة. ما الذي يخيفك؟

لكن الأمر كله مُشوّش...

ثمة خوف آخر سمعته وبخاصة عند التكلّم عن مشاركة الشباب (ومن هم صغار في إيمانهم) في أنشطة ما بين الأديان متعمدة. وهذا الخوف هو أنّ كل هذا الأمر يشوش الشباب وأنّ إيمانهم سيُدمَّر بطريقة ما أو بأخرى. وقد يكون هذا الأمر صحيحًا إذا كان الهدف من أنشطة ما بين الأديان السعي لكسب متحولين إلى ديانة ما أو كسب الرهانات اللاهوتية. وقد يكون هذا صحيحًا أيضًا إذا كان المراهقون مازالوا متمسكين بشكلٍ من الإيمان المتوارث ولم يمتلكوا إثباباتهم ومعتقداتهم اللاهوتية الخاصة. فلشباب على هذا النحو سيكون "الدفاع عن إيمانهم ضد من يتحدّاهم" بمثابة تهديد. قد يكون هذا متجذرًا في الخوف من أنّ الشباب "الآخر" يتمتعون بمعرفة أعمق لإيمانهم الخاصة، وإيمان خصومهم. إن المخاف التي على هذا الغرار قد تراود أهل الشبيبة وقادتهم الدينيين. غير أنّه إذا كان النشاط بين الأديان هو حول مشاركة كيفية تأثير إيمانك عليك في العيش بطرق تكرم الله وفي الوقت عينه يسمح لك بالإصغاء لكيفية تأثير إيمان الآخرين عليهم بالطرق نفسها، عندها ستكون نسبة الخوف أقل. يقول ميروسلاف فولف،

احدى التحديات الحاسمة في عصرنا إيجاد طرق عملية للمسيحيين والمسلمين ليكونوا صادقين في قناعاتهم حول الله ووصاياه، بينما يعيشون بطريقة سلمية وبناءة معًا تحت سقف سياسي واحد. [1]

 أحمد هو شاب مسلم منخرط في Feast (فيست) http://www.thefeast.org.uk مبادرة حوار ما بين الأديان في لبنان منخرط فيها كل من معهد دراسات الشرق الأوسط ومؤسسة الرؤية العالمية في لبنان، يقول أحمد،

تنشأ معظم النزاعات من التصوير النمطي، وعدم المعرفة وسوء الفهم. عندما يتواصل الناس، يكتشفون أنّهم جميعًا بشرٌ، وأنّهم يسعون لتحقيق السلامة والصحة ويشتركون بطموح واحد يرمي الى تحسين ظروف الحياة. الحوار يعزز التسامح على أساس أنّنا جميعًا نحترم الطرق المختلفة لعبادة الله دون الحاجة للقضاء على بعضهم البعض أو إجبار أحدنا أن يبدو كالآخر.

ولكن هذه ليست كرازة...

الخوف الأخير الذي أريد معالجته هنا هو أن أنشطة ما بين الأديان لا يجب أن تُستخدَم لغرض الكرازة.  وأنا أميل إلى موافقة هذا الرأي، إذا كنا ننعني بالكرازة المحاولة المتعمدة الى تحويل شخص ما من مجتمع ديني معيّن إلى آخر. ومع ذلك، فمن المؤكّد أنّ الطريقة التي نتحدث بها إلى أناس من ديانات أخرى عن إيماننا لديها القدرة على إعطاء شهادة إيجابية أو سلبية. كيفية التكلّم عن إيماننا، وإيمان الآخرين، هو جزء من شهادتنا كما هو كلامنا عن إيماننا. في أي نشاط متعمّد بين الأديان فإنّنا نُعطى الإذن أن نمثّل المسيح لأولئك الذين قد لا يعرفونه. هذه الفرص هي على الأرجح تحدث مع أشخاص مهتمين به، وبسماع اختبارنا معه. يا لها من فرصة مذهلة.

ووفقًا لكينيث ليش،

فقط اللاهوت الذي يتسم بروح المغامرة والرغبة في الاكتشاف وممارسة الحج، بدلًا من اللاهوت الثابت والنظري، يمكن أن يستجيب للناس الذين يمرون بمرحلة انتقالية واضطراب[2].

فمن الواضح أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي في خضم مرحلة انتقالية واضطراب، وهذا ينطبق على الكنيسة فيها أيضًا. إذا كانت الكنيسة في منطقة الشرق الأوسط ستكون كنيسة مُرسلة كما هي مدعوة لتكون، فبالتأكيد ثمة حاجة لاستكشاف كيف يمكننا الانخراط عمدًا مع التقاليد الدينية الأخرى، في أي مكان ممكن. والسؤال الذي يطرح نفسه هو، كيف سنشهد لأتباع الديانات الأخرى، بطرق تُظهر شخصية المسيح المضياف والمرحب، ضمن سياقات متعمدة بين الأديان؟



[1] Miroslav Volf Allah: A Christian Response (New York: Harper Collins, 2011), p.13-14.

[2] Kenneth Leech Doing Theology in Altab Ali Park (London: Darton Longman and Todd, 2006) p.25

 

About Anonymous (not verified)