English Website

المدونة‬‎

Search form

الإستعباد المنزلي في العالم العربي اليوم

 للدكتور مارتان عقّاد
 
 
إنّ فكرة توظيق أشخاص يساعدون في القيام بالأعمال المنزلية ليست مشكلة في حدّ ذاتها. لقد أصبحت الأسر ذات الدخلين أمرًا شائعًا في جميع أنحاء العالم، لا بل أصبحت ضرورةً اقتصاديّة. وعندما يكون كلا الزوجين في الأسرة يعملان، فعلى الأرجح انهما يحتاجان إلى مساعدة في أداء بعض مهام التدبير المنزلي التقليدية. فهل ثمّة مشكلة فعليّة؟ ليس ثمّة أمر غير قانوني - على الأقل وفقًا لمعايير القانون اللبناني- في "استيراد" فتايات يساعدن في الأعمال المنزلية من بلدانٍ أجنبيّة ذات كثافة سكّانيّة عالية لا تتمتّع بإمتيازاتٍ إقتصاديّة كما نتمتّع نحن. لا بل يمكننا أن نريح ضمائرنا بأن نقول لأنفسنا أنّنا نساعد هذه الشعوب الفقيرة على إعالة أسرهم في أوطانهم.
في الواقع إنّ ظروف عمل هؤلاء النساء من سري لانكا والفلبين والنيبال وإندونيسيا وإثيوبيا وجمهورية الكونغو الديمقراطية، ونيجيريا، وغيرها من البلدان، هي التي تطلق صفّارة مسبّبةً القلق. قد يجهل معظمنا أنّ قانون العمل في لبنان لا يحميهنّ، ويضعهنّ في حالة مزرية لا تليق بالإنسانيّة. تحمّل قوانين الحكومة اللبنانية وأجهزة الأمن العام أرباب العمل مسؤولية "فرار" عاملات المنازل. ويُنصح أصحاب العمل بحجب أجوزة سفرهن ومنعهن من التمتّع بحياةٍ إجتماعيّة. هذا وقد باتت وكالات التوظيف الآن تحمي أصحاب العمل بصورة روتينية من إدانتهم بهذه التهمة. فكّر في ذلك لدقيقة واحدة. إذا كنت تزاول عملًا حيث يُعتبر تركك العمل "هروبًا"، إذًا أنت عبدٌ بكلّ ما في الكلمة من معنى.
 
وتشمل المهام الوظيفيّة لعاملة المنزل كلّ مهمّة يمكن تخيّلها، من تنظيف المنزل، للطبخ، الغسيل، الكي، إطعام الاطفال واصطحابهم إلى المدرسة، أخذ الكلب في نزهة، حمل حقيبة اليد الخاصة بالسيّدة وحمل الحاجيات، تلبية النداء في كلّ مرّة يشير فيها السيّد بإصبعه أو ينقر فيها بوق سيارته، وتطول القائمة. لا يمكن بطبيعة الحال انجاز كل هذه الأعمال من قبل أيّ شخصٍ في يوم عملٍ عادي. وبالتالي، يعمل معظم عاملات المنازل في لبنان بين 12-18 ساعة عمل يوميًا. لا يعطي العديد من أصحاب العمل اللبنانيين (أو يجدر بنا تسمّيهم أسياد العبيد؟) يوم عطلةٍ في الأسبوع للعاملات لديهم ، والأجور تثير السخرية فعلًا. في عام 2010، أطلقت لجنة مراقبة حقوق الإنسان حملة توعية أظهرت أن أصحاب العمل يحتجزون في الكثير من الأحيان راتب عاملة المنزل الشهري، ولم يكن يُسمح لثلثهنّ مغادرة منزل صاحب العمل وحدهن، وكنّ يُحتجزن في كثير من الأحيان في المنزل ويُحرمون من تناول الطعام وهذا ليس سوى جزء من قائمة طويلة من الانتهاكات الجسدية والنفسية التي تتعرضن لها. كما أنّ ثلثهنّ لا يتمتعن بيوم عطلة عادي. وقد وصلت نسبة العاملات اللواتي ينتحرن في لبنان الى عاملة واحدة كلّ أسبوع في عام 2008 نتيجة لتعرضهنّ للإعتداء، بما في ذلك الإعتداء الجنسي.
 
علاوة على ذلك من المزعج جدًا ، أن نرى أنّه بالكاد ثمّة فرق بسيط بين الطريقة التي يمُارس بها هذا الشكل الحديث من أشكال العبودية داخل الكنيسة والطريقة التي يُمارس بها خارجها. ولعل طريقة التعامل اليوميّة هي أفضل في المنازل التي تقول أنّها تتبع تعاليم يسوع الأخلاقية، أو على الأقل يمكن للمرء أن يأمل ذلك. ولكن في نهاية المطاف، انها تتلخص في الأمور العملية جدا: إذا كنت تستفيد من مساعدة احدى العاملات في المنزل التي تقوم بكل عمل روتيني يمكن تصوره وتعمل لأكثر من 10 ساعات في اليوم، إذا كنت تحتفظ بجواز سفر العاملة ولا تسمح لها بالاستقالة ساعة تشاء، وإذا كان هذا يكلفك مئتي دولارًا شهريًا، يمكنك ان تتأكد أنّك منخرطٌ بشكلٍ من أشكال الظلم، وتساهم على الأرجح في استدامة العبودية المعاصرة.
 
بالنظر إلى القوانين الحالية غير العادلة في لبنان فيما يتعلق بهؤلاء العاملات الأجانبيات، ينبغي أن يقرّر أولئك الذين يدعون الالتزام بأخلاقيات يسوع إما التوقف عن التمتع بالامتيازات الرخيصة لوجود عاملة منزلية، أو أن يدفعوا لهن ما يستحقن مقابل عملهن، وممارسة العصيان المدني بوعي عن طريق عدم التقيد بالشروط التي يمنحها القانون لأرباب العمل مثل حجب أجوزة سفرهن أو احتجازهن لمنعهن من "الهروب". إذا كنا غير قادرين على تحويل علاقة العمل هذه الى عقد عادي بامتيازات ومسؤوليات وفق المعايير الأخلاقية، اذًا فالطهي والتنظيف ورعاية الأطفال والكلب يجب أن تبقى ضمن الأعمال اليومية للسيد والسيدة.

 

ABTS's picture
About ABTS